في عالم يعبد النجاح المادي، ويقيس قيمة الإنسان بما يملك، تبدو فكرة "الخوف من الثروة" فكرة غريبة، بل مجنونة. ولكن في مدرسة النبوة، كانت هناك مفاهيم مختلفة تماماً. هناك، عاش رجل كان المال يجري بين يديه كالنهر، ولكنه كان يراه عبئاً ثقيلاً، واختباراً عظيماً، لدرجة أنه خاف أن يكون هذا المال هو الثمن الذي سيؤخر دخوله الجنة.
هذه هي قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، والتاجر الذي لم يلمس حجراً إلا وتوقع أن يجد تحته ذهباً. في هذا المقال، لن نتحدث عن نجاحه، بل عن خوفه، وعن الدرس المذهل الذي علمه لنا في كيفية التعامل مع نعم الدنيا.
"دلني على السوق": عبقرية تجارية ببركة الدعاء:
لكي نفهم حجم ثروته، يجب أن نعرف كيف بدأت. عندما هاجر عبد الرحمن بن عوف من مكة إلى المدينة، كان قد ترك كل ماله وثروته خلفه. وصل فقيراً لا يملك شيئاً. فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين الصحابي سعد بن الربيع، الذي عرض عليه أن يعطيه نصف ماله وبيته وزوجاته.
ولكن عبد الرحمن، بعزة نفسه وعبقريته الفذة، رفض هذا العرض وقال كلمته الشهيرة: "بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق".
نزل إلى السوق، وبدأ يتاجر بأبسط الأشياء، فبارك الله في تجارته بشكل لا يصدق، حتى أصبح من أغنى أغنياء المدينة.
الخوف من الجائزة: "أخشى أن نكون قد عجلت لنا طيباتنا"
وهنا تبدأ القصة الحقيقية. على الرغم من هذه الثروة الهائلة، كان قلب عبد الرحمن بن عوف مليئاً بالخوف. لم يكن خوفاً من الفقر، بل خوفاً من الحساب.
في يوم من الأيام، كان صائماً، وعندما قُدم له طعام الإفطار الفاخر، نظر إليه وبكى بكاءً شديداً. وعندما سُئل عن سبب بكائه، قال: "قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فلم نجد له ما نكفنه فيه إلا بردة قصيرة. وقُتل حمزة وهو خير مني... ثم بُسط لنا من الدنيا ما بُسط (أي أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا)، وإني لأخشى أن نكون قد عُجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا".
لقد كان يخشى أن تكون هذه الثروة الهائلة هي جائزته الكاملة في الدنيا، فلا يتبقى له شيء في الآخرة. كان يرى المال اختباراً عظيماً، وعبئاً ثقيلاً سيُسأل عنه.
محاربة الثروة بالإنفاق: كيف تخلص من ماله؟
لم يستسلم عبد الرحمن بن عوف لهذا الخوف، بل حوله إلى طاقة إيجابية وعمل دؤوب. لقد قرر أن "يحارب" هذه الثروة بأقوى سلاح: الإنفاق في سبيل الله. كان كلما زادت ثروته، زاد إنفاقه بشكل جنوني، كأنه يسابق الزمن ليتخلص من هذا العبء.
1. قافلة هزت المدينة:
في يوم من الأيام، عادت من الشام قافلة تجارية ضخمة لعبد الرحمن بن عوف، مكونة من سبعمائة بعير محملة بالبضائع، حتى ارتجت المدينة من كثرتها. وعندما سمعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذه الضجة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حَبْواً (أي زحفاً)".
عندما وصلت هذه الكلمات إلى عبد الرحمن، اهتز كيانه، وقال: "أشهدك يا أماه أني جعلت هذه القافلة كلها بأحمالها وأقتابها في سبيل الله عز وجل". لقد تصدق بالقافلة كلها في يوم واحد!
2. الاستثمار في الآخرة:
لم يكن إنفاقه عشوائياً، بل كان استثماراً ذكياً في بنك الآخرة.
- جهز نصف جيش العسرة في غزوة تبوك.
- كان يعتق العبيد بالآلاف.
- كان يوزع الذهب والفضة على أمهات المؤمنين وفقراء المسلمين حتى كان يقول: "إن أهل المدينة جميعاً شركاء لي في مالي".
لقد كان كلما أنفق، زاد ماله، فيعود لينفق أكثر، في حلقة مباركة من العطاء والخوف والرجاء.
إن قصة عبد الرحمن بن عوف هي درس بليغ لكل مسلم ناجح. تعلمنا أن الثروة في الإسلام ليست هدفاً، بل هي وسيلة واختبار (فتنة). تعلمنا ألا نخاف من النجاح، بل أن نخاف مما سنفعله بهذا النجاح.
لقد علمنا سيف الله المسلول كيف نقاتل الأعداء، وعلمنا عبد الرحمن بن عوف كيف نقاتل "الدنيا" في قلوبنا. لقد أثبت أن المؤمن الحقيقي هو الذي يملك المال في يده، لا في قلبه، ويستخدمه ليكون خادماً لدينه، لا سيداً عليه.
ما هو الدرس الأهم الذي تعلمته من طريقة تعامل عبد الرحمن بن عوف مع ثروته؟ شاركنا في التعليقات.
الأسئلة الشائعة حول قصة عبد الرحمن بن عوف
من هو عبد الرحمن بن عوف؟
هو صحابي جليل، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أغنى الصحابة على الإطلاق. اشتهر بعبقريته التجارية وكرمه الشديد، حيث كان يتصدق بثروته في سبيل الله بشكل لا يصدق.
لماذا كان يخاف من ثروته رغم أنه كان ينفقها في الخير؟
كان خوفه نابعاً من زهده العميق وفهمه لطبيعة الدنيا. لقد خشي أن تكون هذه الثروة الهائلة هي "جائزته" التي عجلها الله له في الدنيا، فلا يتبقى له نفس القدر من النعيم في الآخرة مقارنة بالصحابة الفقراء الذين ماتوا قبله مثل مصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب.
ما هو الدرس الذي نتعلمه من قوله "دلني على السوق"؟
نتعلم منه درساً عظيماً في عزة النفس والاعتماد على الذات بعد التوكل على الله. فعلى الرغم من أن أخاه في الإسلام عرض عليه نصف ماله، إلا أنه فضل أن يبدأ من الصفر بجهده وعمله، طالباً من الله البركة. وهذا هو المنهج الإسلامي الصحيح: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله.
إرسال تعليق